ابن العربي

848

أحكام القرآن

ولذلك قرأها قوم : واتّقوا فتنة أن تصيب الذين ظلموا منكم خاصة . وقرأها آخرون : واتّقوا فتنة لتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة . وهكذا يروى فيها عن أبىّ بن كعب ، وعبد اللّه بن مسعود ، وكان يقول ابن مسعود إذا قرأها : ما منكم من أحد إلّا وله فتنة في أهله وماله . وكان الزّبير يقول : كنا نظنّها لغيرنا فإذا بها قد أصابتنا . وكذلك كان يرى ابن عباس . وأما فتنة الرجل في أهله فلا تتعداه ، ولا تأخذ بالعقوبة سواه ، وإنما المعنى في الآية ما ذكرناه . فأما اعتراضهم بالإعراب وهي : المسألة الرابعة - فقد أوضحناها في الرسالة الملجئة ، وقلنا : فيها ثلاثة أقوال : الأول - أنه أمر ثم نهى ، كلّ واحد مستقل بنفسه ، كما تقول : قم غدا . لا تتكلم اليوم . الثاني - الإعراب اتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم . فأما الأول فضعيف ؛ لأن قوله : اتَّقُوا فِتْنَةً ليس بكلام مستقل ، فيصحّ أن يتركب عليه غيره . وأما الثاني ، وهو جواب الطبري ، فلا يشبه منزلته في العلم ، لأن مجازه : لا تصيب الذين ظلموا ، ولم يرد كذلك . الثالث - قال لنا شيخنا أبو عبد اللّه النحوي : هذا نهى فيه معنى جواب الأمر ، كما يقال : لا تزل « 1 » من الدابة لا تطرحنك ، وقد جاء مثله في القرآن « 2 » : ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ . وهذا منتهى الاختصار وقد طوّلناه في مكانه . الآية الثامنة « 3 » - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - قوله : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ : وقد تقدم القول في التقوى وحقيقتها وأنها فعلى ، من وقى يقي وقاية وواقية ، أبدلت الواو

--> ( 1 ) في ل : لا تنزل . ( 2 ) سورة النمل : 18 . ( 3 ) الآية : 29